
قازان (يونا) – أكد المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي “يونا”، الأستاذ محمد بن عبدربه اليامي أن الثقة تمثل “رأس المال الحقيقي للإعلام”، مشددًا على أن التحدي الأكبر أمام المؤسسات الإعلامية في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لا يقتصر على سرعة الوصول إلى الجمهور، وإنما يتمثل في تعزيز الموثوقية والمسؤولية والقدرة على حماية الحقيقة.
وأوضح، خلال مشاركته في قمة قازان العالمية الخامسة للشباب، في كلمة بعنوان “الإعلام والثقة ورأس المال البشري: الاتصالات الاستراتيجية في عصر التغير العالمي”، أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي وبناء التصورات وصناعة المواقف، فضلًا عن دوره في التأثير في طبيعة العلاقات بين المجتمعات والدول.
وأشار إلى أن التطور المتسارع في أدوات الاتصال، وقدرة التكنولوجيا على نقل المعلومات خلال ثوانٍ، إلى جانب تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى ووصول المنصات الرقمية إلى ملايين الأشخاص، يجعل من الثقة عنصرًا أساسيًا في القيمة الحقيقية للعمل الإعلامي، مبينا أن فقدان الجمهور ثقته بالمعلومة ومصدرها يحد من تأثيرها مهما بلغت سرعة انتشارها.
وشدد اليامي على أن هذه المسؤولية تكتسب أهمية متزايدة في ظل انتشار المعلومات المضللة والمحتوى المصطنع والاستقطاب الرقمي، داعيا إلى إعادة الاعتبار للقيم المهنية والأخلاقية في العمل الإعلامي، وتوظيف التكنولوجيا بما يعزز المعرفة والتفاهم، وليس تعميق الانقسام وسوء الفهم.
ولفت إلى الارتباط الوثيق بين الإعلام والثقة من جهة، ورأس المال البشري من جهة أخرى، مؤكدا أن الإنسان هو الذي يمنح التكنولوجيا معناها، ويحدد ما إذا كانت أداة للبناء أو الهدم.
وأوضح أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الإعلام يبدأ من الاستثمار في الإنسان، ولا سيما الشباب، من خلال التعليم والتدريب وتنمية التفكير النقدي وتعزيز الثقافة الرقمية، وتمكينهم من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة بوعي ومسؤولية.
وأبان أن شباب اليوم لم يعودوا مجرد جمهور يتلقى الرسائل الإعلامية، بل أصبحوا منتجين للمحتوى وصانعين للرأي ومؤثرين في مجتمعاتهم، مشيرًا إلى أن تمكينهم من التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة والمحتوى الزائف، يمثل استثمارًا مباشرًا في أمن المجتمعات واستقرارها ومستقبلها.
وفيما يتعلق بالاتصالات الاستراتيجية، أشار مدير عام “يونا” إلى أنها تتجاوز مجرد إدارة الصورة أو إيصال الرسائل، لتصبح عملية طويلة المدى تهدف إلى بناء الثقة وتعزيز التفاهم وفتح مساحات للحوار بين الشعوب والثقافات.
وأكد الحاجة، في ظل تزايد الأزمات والصراعات، إلى إعلام يسهم في التقريب بين الشعوب والثقافات وبناء الجسور، ويجعل من الاختلاف مصدرًا للتعارف والتكامل، بدلًا من أن يتحول إلى سبب للصدام.
وفي هذا السياق، أوضح أن اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي يؤمن بأهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الإعلامية في مواجهة التحديات العابرة للحدود، مشيرا إلى أن التعاون الإعلامي الدولي لم يعد خيارا تكميليا، وإنما أصبح ضرورة.
وبيّن أن “يونا” يعمل على تعزيز التعاون بين وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية، وتطوير قدرات الإعلاميين، والاستفادة من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على جوهر العمل الإعلامي القائم على الدقة والمصداقية والمسؤولية المهنية.
كما لفت إلى أهمية الدور المحوري للشباب في مستقبل الإعلام، داعيا المؤسسات الإعلامية إلى توفير مساحات أكبر أمامهم للتدريب والابتكار والمشاركة، والنظر إليهم بوصفهم شركاء في قيادة التحول الرقمي وصناعة مستقبله، وليسوا مجرد مستفيدين منه.
وقال إن التغير العالمي الراهن يضع أمام المؤسسات الإعلامية معادلة واضحة، مفادها أن “تكنولوجيا بلا إنسان واعٍ قد تتحول إلى خطر، وإعلام بلا ثقة يفقد تأثيره، واتصال بلا قيم لا يستطيع أن يبني مستقبلًا مستداما”، مؤكدا أن الجمع بين الإنسان المؤهل والإعلام الموثوق والتكنولوجيا المسؤولة والاتصال الاستراتيجي يوفر أدوات حقيقية لبناء مجتمعات أكثر وعيًا وعالم أكثر قدرة على الحوار والتفاهم والتعاون.
وأشار إلى أن مستقبل الإعلام لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما يصنعه الإنسان، وأن الثقة ليست نتيجة للاتصال فحسب، بل أساس له، مبينا أن الاستثمار في الشباب يمثل أحد أهم الاستثمارات في مستقبل المجتمعات.
وأعرب مدير عام “يونا” في ختام كلمته عن شكره وتقديره لحكومة جمهورية تتارستان والقائمين على قمة قازان العالمية للشباب، متطلعا إلى أن تسهم مخرجات القمة في إطلاق مزيد من الشراكات والمبادرات التي تعزز دور الشباب في صناعة إعلام أكثر مهنية، واتصال أكثر مسؤولية، وعالم أكثر تفاهما وسلاما.
(انتهى)



