
الرباط (يونا) – أكد المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي «يونا»، الأستاذ محمد بن عبدربه اليامي أهمية تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لتوطين التقنيات الرقمية وتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي تعكس الخصوصيات الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي، مشددًا على ضرورة توجيه الابتكار التكنولوجي وفق مبادئ أخلاقية تضع الكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة في صدارة الأولويات.
وأوضح، خلال مشاركة الاتحاد اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026، في طاولة مستديرة رفيعة المستوى بعنوان «مستقبل العالم الإسلامي في العصر الرقمي: التعاون الاستراتيجي من أجل الابتكار الأخلاقي والتنمية المستدامة»، ضمن المؤتمر العالمي «إقرأ 2026» المنعقد في الرباط، أن الربط بين المنظور القرآني والابتكار العلمي والتقني يمثل مدخلًا مهمًا لتأصيل المعرفة والإبداع، والاستفادة من المبادئ القرآنية في بناء رؤية أخلاقية للتطور التكنولوجي.
وأشار إلى أن القرآن الكريم أرسى أسسًا معرفية تقوم على إمكان تحصيل العلم وتجدد المعرفة، والاستفادة من وسائل الإدراك والتفكير، فضلًا عن ربط العلم بالحكمة وآثاره النافعة في حياة الإنسان وعمارة الأرض، مؤكدًا أن هذه المبادئ توفر إطارًا قيميًا يوجه الابتكار نحو خدمة البشرية وتحقيق الصالح العام.
وبيّن أن الدول الإسلامية تواجه تحديات متعددة في مسار التحول الرقمي، ترتبط باحتياجاتها العلمية والمعرفية من جهة، وخصوصياتها الثقافية والحضارية من جهة أخرى. وأوضح أن توطين التقنيات الرقمية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في هذا المجال يتطلبان توسيع نطاق التعاون بين الدول الأعضاء، والاستفادة من إمكانات المؤسسات المشتركة، وفي مقدمتها منظمة التعاون الإسلامي والهيئات المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا، مثل الإيسيسكو وكومستيك.
ولفت إلى أن الفجوة الرقمية بين الدول الأعضاء، سواء في الوصول إلى التقنيات الحديثة أو في توافر البنية التحتية التكنولوجية، تمثل تحديًا يستدعي إطلاق مبادرات مشتركة، وتوفير قنوات تمويل مستدامة، ودعم الدول الأقل نموًا لتحديث منظوماتها الرقمية، بما يعزز قدرتها على مواكبة التحولات التقنية والاستفادة من فرصها التنموية.
واستعرض في هذا السياق مبادرة الاتحاد لتطوير المنصات الرقمية لعدد من وكالات الأنباء في الدول الأعضاء الأقل نموًا، بدعم من صندوق التضامن الإسلامي. وأوضح أن البرنامج يستهدف تعزيز وصول المواطنين إلى المعلومات والمضامين الإعلامية، ورفع مستوى التبادل الإخباري بين وكالات الأنباء، بما يسهم في تقوية التواصل الإعلامي بين الدول الأعضاء.
وأشار إلى أن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وخوارزمياته تثير تحديات متزايدة، لا سيما في ظل احتمال انعكاس التحيزات الثقافية والسياسية للجهات المطورة لهذه التقنيات على مخرجاتها. وأكد أهمية التعاون بين الدول الإسلامية لتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي تعبّر عن هويتها الحضارية والثقافية، وتتيح لها تقديم رؤيتها إلى العالم.
وشدد على أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يجعل القيم والمنطلقات الفكرية والأخلاقية التي تحكم تطويره وتوظيفه جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبله وآثاره، داعيًا إلى تعزيز الحوار بشأن انعكاس هذه القيم على السياسات الوطنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في الدول الأعضاء.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصًا واعدة لتطوير العمل الإعلامي، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر تتعلق بالتزييف ونشر الشائعات والتضليل الإعلامي، فضلًا عن توظيف المنصات لنشر المفاهيم الخاطئة وتعزيز الصور النمطية عن الشعوب والثقافات. وحذّر من أن التوسع في إنتاج المحتوى والتفاعلات الآلية قد يؤثر سلبًا في العلاقات بين الشعوب والتواصل الحضاري.
وأوضح أن مواجهة هذه التحديات والاستفادة من الفرص التي تتيحها التقنيات الحديثة تتطلب تحركًا جماعيًا لصياغة مبادئ ومواثيق أساسية تنظم الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا استعداد الاتحاد للإسهام بفاعلية في المبادرات الرامية إلى تحقيق هذا الهدف.
واستعرض في هذا الإطار ثلاثة محاور رئيسية يعمل الاتحاد من خلالها على تعزيز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي. ويتمثل المحور الأول في التدريب، عبر تنظيم برامج وورش عمل بالتعاون مع مؤسسات دولية متخصصة، لتأهيل الصحفيين في الدول الأعضاء في مجالات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الإعلامية، وأساليب كشف التزييف العميق وأنماط التضليل المختلفة.
وأشار إلى أن المحور الثاني يتمثل في إنشاء منصة للتحقق من الأخبار تعتمد على تقنيات متقدمة للتحليل اللغوي، وتغطي أكثر من 120 لغة، وتتيح تحليل آلاف المصادر بسرعة، بهدف الوصول إلى نتائج موثوقة قابلة للنشر، مع إيلاء اهتمام خاص بالأخبار المتعلقة بفلسطين، ومكافحة حملات التضليل والشائعات التي تستهدف القضية الفلسطينية.
وأضاف أن المحور الثالث يركز على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي للاتحاد، حيث أصبحت هذه التطبيقات جزءًا من منظومته الإعلامية والتحريرية، بما يشمل الترجمة والتبادل الإخباري والتصميم، وفق سياسة واضحة تلتزم بالمبادئ المهنية والمعايير التحريرية المعتمدة.
(انتهى)



