
غزة (يونا/وفا) – انتشر مرض السرطان بشكل غير مسبوق في قطاع غزة خلال العامين الأخيرين، إذ انهش أجساد آلاف المواطنين وسط غياب العلاج والرعاية الصحية، بسبب عدوان الاحتلال الإسرائيلي الذي دمر المستشفيات وأخرج العديد منها عن الخدمة، تاركا المرضى يصارعون الموت بلا متابعة طبية أو أسرة مبيت، فيما طالت الاستهدافات الطواقم الطبية.
المواطن محمود سعيد، الذي أصيب بسرطان المستقيم قبل الحرب، قال إنه كان من المقرر أن يبدأ جلسات العلاج الكيميائي والجراحي يوم 8 أكتوبر 2023 في المستشفى التركي، إلا أن العدوان أعاق رحلته العلاجية.
وأضاف أنه قبل عام أصيب بسرطان البروستاتا وتم استئصالها، وما زال يعيش على أكياس إخراج للبراز والبول، متمنيا الحصول على تحويلة علاجية خارج القطاع أو إجراء جراحة تمكنه من حياة طبيعية.
وأوضحت المواطنة سمر الحلبي، المصابة بورم في الثدي منذ بداية العدوان، أن ظروف النزوح والمعيشة في الخيام واستهداف المستشفيات والطواقم الطبية أدت إلى تفاقم حالتها ووصول المرض للمرحلة الرابعة. وأشارت إلى صعوبة الحصول على أدوية مسكنة ونقص وسائل النقل، ما يزيد من معاناتها مع كل رحلة علاج، حيث تضطر للسفر بين مدن القطاع المختلفة، وتكبد 160 شيكل في كل رحلة.
وأفادت المواطنة أم محمد النجار، المصابة بسرطان القولون والثدي، بأن العلاج داخل القطاع أصبح شبه مستحيل بسبب نقص الأدوية والمعدات، مطالبة بالحصول على تحويلة علاجية خارجية لإتمام جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي اللازمة لمنع انتشار المرض.
من جانبه، قال المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى، إن أبرز التحديات التي تواجه المرضى هي انهيار منظومة التشخيص والعلاج نتيجة القصف الإسرائيلي للمستشفيات المتخصصة، بما فيها مستشفى الصداقة التركي، مستشفى غزة الأوروبي، ومستشفى عبد العزيز الرنتيسي. وأضاف أن أجهزة الفحص المبكر، بما في ذلك أجهزة الماموغرام والرنين المغناطيسي، دُمّرت أو توقفت عن العمل بسبب نقص الكهرباء والوقود، ما أثر سلبًا على تشخيص ومتابعة الحالات.
وأشار أبو ندى إلى أن هناك نقصا حادا في أدوية العلاج الكيميائي والمسكنات التخصصية، حيث لا تتوفر سوى 30% من الكميات المطلوبة، بالإضافة إلى نقص الكوادر الطبية بعد استهدافهم خلال الحرب وهروب البعض خارج القطاع، ما انعكس سلبًا على منظومة الرعاية الصحية.
وكشف أن أعداد المصابين بالسرطان تتزايد بشكل ملحوظ، ويعود ذلك جزئيا إلى العوامل البيئية والسمية نتيجة القصف، ما فاقم الحالات السابقة وأدى إلى تفشي المرض في أجساد المصابين. وأضاف أن مركز غزة للسرطان يعمل بقدرة محدودة جدًا في مجمع ناصر الطبي في خان يونس ومستشفى الحلو بغزة، مع استمرار الطلب على تحويلات العلاج خارج القطاع.
ووفق أحدث الإحصاءات حتى نهاية ديسمبر 2025، يوجد حوالي 12,500 مريض سرطان في قطاع غزة من مختلف الفئات العمرية، ويُشخّص سنويا أكثر من 2,000 حالة جديدة، منها 122 طفلا، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.
وأشار التقرير إلى أن حوالي 3,000 مريض يواجهون تأخرا كبيرا في التشخيص، في حين لم يتمكن سوى 1,000 مريض من إجراء تشخيص دقيق.
وبسبب نقص المعدات والخدمات الطبية، توقفت عمليات العلاج الكيميائي الوريدي والمتابعة الطبية منذ نهاية مايو 2025، فيما خرجت المستشفيات المتخصصة عن الخدمة بالكامل، ما ترك آلاف المرضى بلا علاج. وتضيف المصادر أن قوات الاحتلال تفرض قيودًا صارمة على خروج المرضى للعلاج خارج القطاع، رغم أن نحو 17,000 مريض بحاجة للتحويل، ولم يتم السماح فقط لنحو 1,100 مريض بالخروج.
وأفادت المصادر بأن 436 مريض سرطان توفوا منذ 7 أكتوبر 2023 نتيجة نقص العلاج وعدم القدرة على الوصول للخدمات الصحية، مع توقف العيادات والمستشفيات المتخصصة مثل مستشفى غزة الأوروبي، ومركز غزة للسرطان، ومستشفى الصداقة التركي، ومستشفى عبد العزيز الرنتيسي عن العمل.
وشدد أبو ندى على ضرورة إعادة بناء المستشفيات المدمرة، وفتح المعابر للسماح للمرضى بالحصول على العلاج اللازم، وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، مؤكّدًا أن الوضع الصحي في غزة يواجه انهيارًا شبه كامل، وأن منع خروج المرضى للخارج يعتبر بمثابة “قتل بطيء” لآلاف المصابين بالسرطان.
(انتهى)



