
الرياض (يونا/واس) – خلال السنوات الأخيرة شهد الإعلام الرسمي تحولًا جوهريًا في دوره ووظيفته، وتجاوز الإطار التقليدي القائم على الإبلاغ ونقل الأخبار؛ ليتجه نحو صناعة التأثير وبناء الوعي وتعزيز الثقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، ولم يعد الاكتفاء بإيصال المعلومة كافيًا في ظل بيئة إعلامية متسارعة، وجمهور يتمتع بوعي عالٍ، ومنصات رقمية تفرض إيقاعًا جديدًا في التفاعل وصناعة الرأي العام.
ففي مراحله الأولى، ارتكز الإعلام الرسمي على أداء وظيفة الإبلاغ بوصفها حجر الأساس للعمل الإعلامي، معتمدًا على الدقة والموثوقية والالتزام بالمصدر الرسمي، وهو ما أسهم في ترسيخ المصداقية وتعزيز الاعتماد على القنوات الحكومية بوصفها المرجع الأول للمعلومة، غير أن تطور أدوات الاتصال، وتعدد مصادر الأخبار، وازدياد حجم المحتوى المتداول، فرض تحديات جديدة لم يعد معها نقل الخبر وحده قادرًا على تحقيق الأثر المطلوب.
واليوم، أصبحت الرسالة الإعلامية مطالبة أن تكون أكثر عمقًا ووضوحًا وتأثيرًا، وأن تُصاغ ضمن سياق يراعي احتياجات الجمهور وتوقعاته، دون الإخلال بالمسؤولية المؤسسية، فالجمهور لم يعد متلقيًا، بل شريكًا فاعلًا في التفاعل والتقييم وإعادة النشر، مما يجعل التأثير هدفًا إستراتيجيًا للإعلام الرسمي، لا يقل أهمية عن صحة المعلومة نفسها.
ويمثل التحول من الإبلاغ إلى التأثير انتقالًا نوعيًا في فلسفة العمل الإعلامي، حيث لم تعد الرسائل تُبنى فقط للإعلان عن قرار أو توضيح إجراء، بل لتفسير السياق، وشرح الأهداف، وبيان الأثر، وربط المعلومة بالواقع اليومي للمجتمع، ويتطلب هذا التحول فهمًا دقيقًا لسلوك الجمهور، وقدرة على اختيار اللغة المناسبة، والتوقيت المؤثر، والمنصة الأكثر فاعلية في إيصال الرسالة.
وفي ظل البيئة الرقمية، برزت الحاجة إلى إعلام رسمي قادر على استباق الأحداث بدل الاكتفاء بردود الفعل، ومواجهة الشائعات بالمعلومة الموثوقة، وتقديم الخطاب المتزن الذي يجمع بين الشفافية والحكمة، فالتأثير لا يتحقق بالسرعة وحدها، بل بحسن التقدير، ووضوح الرسالة، واتساق الخطاب المؤسسي عبر مختلف القنوات، مع مراعاة خصوصية كل منصة وأسلوب تفاعل جمهورها.
ومن المؤشرات لنجاح الإعلام الرسمي بناء الثقة، والثقة لا تُكتسب عبر بيان واحد أو رسالة عابرة، بل من خلال استمرارية التواصل، والالتزام بالمصداقية، والاعتراف بالمسؤولية عند الحاجة، والتفاعل الإيجابي مع المجتمع، ويُعد الإعلام الرسمي اليوم عنصرًا محوريًا في تعزيز الاستقرار المجتمعي، وداعمًا لجهود التنمية، ووسيلة فاعلة في رفع مستوى الوعي العام.
وتأتي أهمية هذا الدور بشكل واضح في المنتدى السعودي للإعلام 2026، الذي يمثل منصة فريدة لتبادل الخبرات، واستعراض أفضل الممارسات، واستشراف مستقبل الإعلام الرسمي على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، ويؤكد المنتدى أن الإعلام الرسمي لا يقتصر على نقل الأخبار أو نشر البيانات، بل يمتد ليشكل جزءًا من التأثير العالمي، وتُقاس فاعليته بقدرته على التأثير في الرأي العام، والمساهمة في صياغة صورة الدولة إيجابيًا، ونقل رسائلها إلى العالم بصورة دقيقة وموثوقة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس قسم الإعلام والاتصال بجامعة الملك خالد الدكتور علي زهير القحطاني أن المنتدى السعودي للإعلام 2026 يعكس تحولًا نوعيًا في فهم دور الإعلام الرسمي، بوصفه أداة تأثير مؤسسي ومعرفي، لا مجرد وسيط لنقل المعلومة، موضحًا أن الانتقال من الإبلاغ إلى التأثير يتطلب بناء خطاب إعلامي واعٍ، يستند إلى فهم عميق للجمهور، ويواكب التحولات الرقمية المتسارعة، ويعزز قدرة الجهات الرسمية على إيصال رسائلها بوضوح واحترافية على المستويين المحلي والعالمي، مؤكدًا أن الاستثمار في الكفاءات الإعلامية وتكامل الأدوار بين المؤسسات التعليمية والجهات الرسمية يشكلان ركيزة أساسية لصناعة إعلام مؤثر.
من جهته، أوضح رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال الدكتور عبد الله آل مرعي أن التحول الذي يشهده الإعلام الرسمي اليوم يُجسد نضجًا مؤسسيًا في إدراك طبيعة دوره وتأثيره، مشيرًا إلى أن الانتقال من الإبلاغ إلى التأثير لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتسارع المتغيرات الإعلامية عالميًا.
وأكد أن الإعلام الرسمي أصبح أحد أبرز أدوات بناء الصورة الذهنية للدولة، وصناعة الثقة مع المجتمع، والتأثير في الرأي العام، لافتًا النظر إلى أن نجاح هذا الدور يرتبط بوجود أطر مهنية واضحة، ومعايير أداء عالية، وتكامل فعّال بين الجهات الرسمية والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية، بما يسهم في تعزيز الحوكمة الإعلامية، وتمكين الكفاءات الوطنية، وترسيخ إعلام رسمي قادر على المنافسة عالميًا ونقل رسالة المملكة باحترافية وموثوقية.
ومن خلال المنتدى قدمت التجربة السعودية نموذجًا متقدمًا في تطوير الإعلام الرسمي، وشهد الخطاب الإعلامي الحكومي تحولًا ملحوظًا من النمط التقليدي إلى نمط أكثر حيوية وتأثيرًا، مستفيدًا من التحول الرقمي، وتكامل الجهات، واحترافية المتحدثين الرسميين، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وقد أسهم هذا التطور في تعزيز حضور الجهات الرسمية على المنصات الرقمية، وتقديم رسائل واضحة، ومواجهة التحديات الإعلامية بكفاءة واقتدار، مع القدرة على التأثير في المحيطين الإقليمي والدولي.
وأمام تسارع المتغيرات، تتعاظم مسؤولية الإعلام الرسمي في الحفاظ على التوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، وبين الشفافية ومتطلبات المصلحة العامة، وبين إيصال الرسالة وتحقيق التأثير الإيجابي، فالإعلام الرسمي لم يعد مجرد قناة إخبارية، بل أصبح شريكًا في صناعة الوعي، ورافدًا من روافد الأمن الإعلامي، وأداة إستراتيجية في دعم السياسات العامة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما أصبح معيارًا عالميًا يقاس بمدى نجاحه في بناء صورة الدولة ونقل رسائلها بشكل مؤثر ومحترف، يجسّد فيها المنتدى السعودي للإعلام ملامح مرحلة جديدة في مسيرة العمل الإعلامي، تقوم على تعظيم الأثر، وتوسيع دائرة التأثير، من خلال تطوير الأدوات، وبناء القدرات، والاستثمار في الإنسان والتقنية، بما يضمن حضورًا إعلاميًا مؤثرًا ومسؤولًا، وقادرًا على مواكبة تطلعات المرحلة.
ويؤكد المنتدى أن المملكة، عبر تطورها في هذا المجال، ليست فقط في موقع متابعة التحولات، بل في موقع الريادة، مقدمة نموذجًا للإعلام الرسمي المؤثر القادر على تحويل المعلومة إلى أثر، وبناء الثقة، وتعزيز التواصل الإستراتيجي في المشهد الإعلامي العالمي.
(انتهى)



