العالم

السكرتير الأول لسفارة أوزبكستان في السعودية يكتب: أوزبكستان.. نموذج تنموي جديد

شهد العقد الماضي واحدة من أهم مراحل التحول في تاريخ أوزبكستان الحديث، فمنذ تولي شوكت ميرضيائيف رئاسة البلاد في عام 2016، بدأت أوزبكستان تدريجياً في الابتعاد عن النموذج الاقتصادي المغلق والخاضع لسيطرة الدولة، والذي كان سائداً لعقود.

الإصلاحات الاقتصادية والإدارية تطورت إلى عملية تحول أوسع شملت السياسة الخارجية، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والتجارة، والزراعة، والسياحة، والإدارة العامة، ودور الدولة في الاقتصاد.

وتظهر أهمية هذه التغييرات بشكل واضح في الاقتصاد، فمنذ عام 2017، عملت  أوزبكستان على توحيد نظام سعر الصرف، وإلغاء العديد من القيود على معاملات العملات الأجنبية، وتحرير الأسعار والتجارة، والحد تدريجياً من الدور المهيمن للدولة في النشاط الاقتصادي.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، أدت هذه الإصلاحات إلى تغيير جوهري في هيكل الاقتصاد وساعدت على جذب تدفقات كبيرة من رؤوس الأموال، حيث بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5.7% سنوياً بين عامي 2018 و2023، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن متوسط النمو السنوي بلغ نحو 6% خلال الفترة 2017-2025. وفي عام 2025 وحده، نما الاقتصاد بنسبة 7.7%.

ومن أبرز التحولات الاقتصادية، الانفتاح التدريجي لأوزبكستان على العالم الخارجي، حيث انتقلت البلاد من حالة من العزلة النسبية إلى اندماج متزايد في الأسواق الإقليمية والعالمية، وارتفعت الاستثمارات الأجنبية، ودخلت شركات دولية إلى قطاعات جديدة، وأصبحت الخصخصة جزءاً أكثر أهمية من السياسة الاقتصادية.

وفي عام 2026، اتخذت أوزبكستان خطوة مهمة أخرى عندما أجرى الصندوق الوطني للاستثمار أول طرح عام دولي رئيسي في البلاد في بورصة لندن، حيث جمع أكثر من 690 مليون دولار، كما تواصل الحكومة بيع حصص في الشركات المملوكة للدولة وتحسين مستوى الحوكمة المؤسسية.

ونجحت الإصلاحات في تغيير البيئة التي تعمل فيها الشركات المحلية، فقد جعلت  الضريبية وإلغاء القيود التنظيمية وتسهيل الوصول إلى العملات الأجنبية تأسيس الشركات وإدارتها، أسهل بكثير مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. ويشير البنك الدولي إلى أنه بعد الإصلاحات الضريبية التي جرت عام 2018، سجل نحو 1.4 مليون مواطن وشركة إضافية لدى السلطات الضريبية.

وفي الوقت نفسه، بدأت أوزبكستان في إلغاء القيود ومتطلبات الترخيص التي كانت تحد من المنافسة وتطوير القطاع الخاص.

وشهد قطاع الزراعة أيضاً تحولاً كبيراً من خلال البدء في تفكيك النظام القديم الذي كانت الدولة تلعب فيه دوراً مهيمناً في الإنتاج الزراعي وزراعة القطن، كما تم تحرير الأسواق الزراعية، وتقليص السيطرة المباشرة للدولة، وتشجيع الاستثمارات الخاصة ومعالجة المنتجات الزراعية.

ومن أبرز النتائج الاجتماعية لهذه الإصلاحات، القضاء على العمل القسري وعمل الأطفال بشكل منهجي في قطاع القطن، وهي قضية أثرت لسنوات على صورة أوزبكستان الدولية.

ويعتبر البنك الدولي إنهاء العمل القسري وعمل الأطفال من أبرز إنجازات عملية الإصلاح.

كما أصبحت السياسة الاجتماعية في قلب أجندة الإصلاح الحكومية، فبدلاً من التركيز فقط على النمو الاقتصادي، بدأت أوزبكستان بشكل متزايد في ربط التنمية الاقتصادية بخفض معدلات الفقر، وتوفير فرص العمل، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية. وأصبحت نتائج هذه السياسة أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة.

ووفقاً للبنك الدولي، انخفض معدل الفقر الوطني من 17% عام 2021 إلى 14.1% عام 2022، ثم إلى 11% عام 2023. وبحلول عام 2025، تراجع المعدل إلى 5.8%.

وأصبحت المحلة أيضاً جزءاً مهماً من هذا النهج، إذ يجري استخدام المجتمعات المحلية بصورة متزايدة لتحديد الأسر المحتاجة، ودعم التوظيف، وتقديم المساعدات الاجتماعية.

وتركز أجندة الإصلاح الحالية بدرجة كبيرة على إنشاء “محلات خالية من الفقر”، وربط السياسة الاجتماعية بالتنمية الاقتصادية المحلية.

وحددت السلطات لعام 2026 هدفاً يتمثل في خفض معدلات الفقر والبطالة إلى 4.5%.

وشهدت السياسة الخارجية لأوزبكستان تحولاً كبيراً خلال العقد الماضي، فقد اتبعت طشقند سياسة خارجية أكثر انفتاحاً وبراغماتية، وخاصة تجاه دول آسيا الوسطى المجاورة.

وتحسنت العلاقات مع كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان بشكل ملحوظ، بينما أصبحت التجارة والنقل والطاقة والتعاون في مجال المياه أكثر نشاطاً. وقد عزز ذلك دور أوزبكستان باعتبارها إحدى القوى الرئيسية الدافعة للتعاون الإقليمي في آسيا الوسطى.

وظهر هذا الانفتاح أيضاً في قطاع السياحة، فقد انتقلت أوزبكستان من التعامل مع السياحة باعتبارها قطاعاً ثقافياً بالدرجة الأولى إلى اعتبارها جزءاً مهماً من الاقتصاد الوطني. وساهم تحرير نظام التأشيرات، وزيادة الرحلات الجوية، وبناء الفنادق، وتطوير البنية التحتية، والترويج الدولي في تغيير القطاع بشكل كبير. ووفقاً للبنك الدولي، بلغت عائدات السياحة 1.3 مليار دولار في عام 2019، أي أكثر من ضعفي ونصف المستوى المسجل في عام 2017.

كما ساهمت الإصلاحات في تغيير الصورة الدولية لأوزبكستان، فلم تعد البلاد تُعرف فقط باعتبارها وجهة تاريخية مرتبطة بسمرقند وبخارى وخيوة، بل أصبح يُنظر إليها أيضاً باعتبارها سوقاً ناشئة توفر فرصاً في مجالات التصنيع والطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والزراعة والسياحة.

وتعكس مشاركة البلاد المتزايدة في منتديات الاستثمار الدولية ومساعيها للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية الاستراتيجية نفسها، وهي أن تصبح أوزبكستان أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى عملية الإصلاح التي استمرت عشر سنوات باعتبارها عملية مكتملة، فما زالت بعض أصعب الإصلاحات في انتظار التنفيذ، ولا تزال الشركات المملوكة للدولة تحتل مكانة مهمة في الاقتصاد، فيما لا تزال المنافسة محدودة في بعض القطاعات.

ويؤكد كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ضرورة مواصلة تقليص البصمة الاقتصادية للدولة، وتعزيز المنافسة، وخلق مساحة أكبر للشركات الخاصة.

ويقدر البنك الدولي أن أوزبكستان ستحتاج إلى توفير نحو 10 ملايين فرصة عمل إضافية وأفضل أجراً خلال السنوات السبع إلى العشر المقبلة، لأن النمو الاقتصادي وحده لم يوفر ما يكفي من فرص العمل الجيدة.

ولهذا السبب، من المرجح أن تكون المرحلة المقبلة من الإصلاحات مختلفة عن المرحلة الأولى. فقد ركزت المرحلة الأولى بشكل أساسي على فتح البلاد: تحرير سعر الصرف، وتغيير القوانين والأنظمة، وجذب الاستثمارات، وتحسين العلاقات مع دول الجوار. أما المرحلة المقبلة، فستركز على جعل الاقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة. وتركز الحكومة حالياً على التطور التكنولوجي، والابتكار، والرقمنة، وتنمية رأس المال البشري، والنمو الأخضر، وإصلاح قطاع الطاقة، وتعميق اندماج أوزبكستان في الأسواق الدولية. وتعكس استراتيجية “أوزبكستان 2030” المحدثة هذا التحول، وتضع هدفاً يتمثل في انتقال البلاد إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى بحلول نهاية العقد.

وبالتالي، فإن الإصلاحات لا تمثل مجرد مجموعة من الإجراءات الاقتصادية المنفصلة، بل تعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. فعلى مدى عشر سنوات، انتقلت أوزبكستان من نموذج قائم على سيطرة الدولة والانفتاح الخارجي المحدود إلى نموذج يعطي أهمية أكبر لآليات السوق والاستثمار الخاص والتعاون الدولي والحماية الاجتماعية.

وربما يكون أهم إنجاز تحقق خلال العقد الماضي هو تغيير اتجاه التنمية نفسه، فقد أصبحت أوزبكستان أكثر انفتاحاً وارتباطاً بالمجتمع الدولي وأكثر توجهاً نحو اقتصاد السوق، مع احتفاظ الدولة بدور قوي في إدارة عملية الانتقال.

وسيكون التحدي خلال السنوات المقبلة هو تحويل هذا الانفتاح إلى إنتاجية أعلى، ووظائف أفضل أجراً، ومؤسسات أقوى، وقطاع خاص أكبر، فيما سيحدد نجاح المرحلة المقبلة ما إذا كانت إصلاحات السنوات العشر الماضية ستشكل الأساس لنموذج اقتصادي جديد بالفعل في أوزبكستان بحلول عام 2030.

 

(ميرزاهد ايشانقولوف – السكرتير الأول لسفارة جمهورية أوزبكستان في السعودية)

 

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

UNA Chatbot

مرحباً بك! 👋

اختر نوع المساعدة:

أداة التحقق من الأخبار المضللة

أدخل نص الخبر أو الادعاء الذي ترغب في التحقق من صحته، وسيقوم النظام بتحليله ومقارنته بالمصادر الموثوقة لتحديد مدى دقته.

0 حرف
جاري التحقق من الخبر
تحليل المحتوى...

مطلوب التحقق من

الحالة

التحليل