
جدة (يونا) – استهلت السفيرة الدكتورة أروى حسن السيد، عضو الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان، رئيس قطاع شؤون حقوق الإنسان بوزارة الخارجية البحرينية، كلمتها في الأمسية الرمضانية التي نظمتها الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان، واتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، بإبداء حزنها لما تتعرض له دول الخليج من اعتداءات خلال الشهر المبارك.
وأضافت، نجتمع اليوم في هذا الشهر الفضيل، شهر الرحمة والتسامح، ونحن ندين بشدة، الاعتداءات السافرة التي طالت مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. إن هذه الاستهدافات الإيرانية، التي طالت دولاً ليست طرفاً في النزاع، لا تمثل خرقاً للقوانين الدولية فحسب، بل هي طعنة في قيمنا الإسلامية المشتركة التي تُحرّم ترويع الآمنين، خاصة في أوقات العبادة والسكينة.
وتساءلت في كلمتها: يبرز سؤالنا الجوهري: كيف يمكن للعمل الإنساني أن يبني تعايشاً في ظل وجود أطراف تصر على هدم أسس الأمن وتفخيخ النسيج المجتمعي؟ إن هذه الاعتداءات تؤكد ما نطرحه اليوم؛ وهو أن الإغاثة المادية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإطار حقوقي رادع يحمي الإنسان ويحفظ كرامته من الاستغلال والعدوان.
وتابعت” إن ديننا الحنيف الذي جعل “إطعام الطعام” و”إغاثة الملهوف” من أسمى القربات، لم ينظر يوماً للعمل الإنساني كفعل مادي مجرد، بل كرسالة أخلاقية قوامها حفظ الكرامة الإنسانية”.
وأضافت” لا يمكن لأحد أن ينكر الأثر الوجودي الذي أحدثته جهود دولنا ومنظماتنا في إنقاذ الملايين من شبح الفناء، وهو الدور الريادي الذي طالما اضطلعت به دولنا الإسلامية. غير أن الأمانة التي نحملها تفرض علينا ألا نكتفي بمد يد العون، بل أن نمحص في جودة النتائج واستدامة الأثر عبر ثلاثة محاور رئيسية، المحور الأول: تفكيك اختلال موازين القوة وفخ “المجتمعات المضيفة”، فالتدخل الإنساني “الأعمى عن النزاع” (Conflict-blind) يعيد إنتاج الأزمات بدلاً من حلها، وعندما تتعامل آليات الإغاثة مع المستفيدين كأرقام أو أفواه يجب إطعامها، فإنها تجردهم من فاعليتهم وتخلق ديناميكية قوة غير متكافئة بين المانح والمتلقي، فالتسامح لا يُبنى بين طرف متعالٍ وطرف مسلوب الإرادة؛ التسامح يُبنى بين أنداد يتمتعون بالكرامة، مؤكدة أن الخطر الأكبر يكمن في التدخل الإقصائي؛ فتركيز المساعدات حصرياً على النازحين وتجاهل الفقر المدقع للجار المضيف يخلق تنافساً شرساً على الموارد، يتحول سريعاً إلى شعور بالغبن، ثم إلى خطاب كراهية (Xenophobia). لكي يكون العمل الإنساني صانعاً للسلام، يجب أن يتبنى نهجاً تنموياً شمولياً يدعم النازح والمضيف معاً، ويحولهم من متنافسين إلى شركاء في التعافي.
وعن المحور الثاني (البنية التحتية النفسية – الرابط المفقود للتعايش)، قال: نحن نبرع في بناء الخيام وتوفير الأدوية الجسدية، لكننا نترك العقول والنفوس تنزف، ولا يمكننا الحديث عن التسامح في مجتمعات تمزقها الصدمات النفسية العميقة (Trauma). إن العقل الذي تعرض لأهوال الحرب أو ترويع الاعتداءات السافرة يدخل في حالة تحفز مستمر وانعدام ثقة في الآخر، مشيرة إلى أن دمج خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي (MHPSS) كعنصر إلزامي في كل تدخل إنساني هو الشرط المسبق لترميم النسيج المجتمعي، لأن المجتمع المريض نفسياً لا يمكنه أن يتسامح؛ وهو الذي يحتاج أولاً إلى الشفاء واستعادة التوازن لكي يرى الإنسانية في وجه جاره.
وأردفت: المحور الثالث: الانتقال من إطار الإحسان إلى إطار حقوق الإنسان، فنحن بصفتنا في الهيئة المستقلة الدائمة لحقوق الإنسان، يقع على عاتقنا تغيير السردية، و يجب أن ننتقل من عقلية الإغاثة كصدقة مؤقتة إلى عقلية الإغاثة كحق أصيل مقترن بالمساءلة، مشيرة إلى أن تأطير العمل الإنساني حقوقياً يحميه من التسييس، ومن عسكرة المساعدات (Weaponization of Aid) التي تستخدمها بعض القوى لفرض أجندات تدميرية، وهو ما يمثل رصاصة الرحمة على أي مسعى للتعايش.
وأوصت الدكتورة أروى، الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بتبني عدد من السياسات من بينها إلزامية الدعم النفسي من خلال تخصيص نسبة ثابتة من ميزانيات الإغاثة لبرامج الدعم النفسي الاجتماعي المدمجة. وكذلك استراتيجية المستفيد المزدوج من خلال اشتراط توجيه دعم موازٍ لتنمية البنية التحتية للمجتمعات المضيفة لدرء الاحتقان الاجتماعي.
كما أوصت بأن يكون هناك مرصد للأثر المجتمعي من خلال إنشاء آلية لتقييم حساسية النزاع وضمان توافق المساعدات مع معايير حقوق الإنسان.
واختتمت توصياتها للهيئة الدائمة المستقلة بحماية السيادة الإنسانية، بحيث يتم تجريم استخدام العمل الإنساني أو الترويع العسكري كأداة للضغط السياسي على الدول الآمنة.
(انتهى)



