الأربعاء 13 رمضان 1441 - 01:40 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 6-5-2020
كالجاري (يونا) - حذر العالم المصري الدكتور محمد عمر التونسي من تجاهل الإنسان للكائنات الدقيقية التي لا يراها بعينه المجردة، أو الانطلاق في التعامل معها باعتبارها كائنات لم تستطع أن تتطور عبر الأزمان. مؤكداً أن هذه الكائنات لها مقاييسها الخاصة في التطور والتكيف والتعايش وهذا ما أبقاها حتى اليوم.
 وأوضح الأستاذ الزائر بكلية الطب بجامعة كالجاري بكندا وأستاذ مساعد البيولوجيا الجزيئية بجامعة سوهاج في مقال علمي خص به اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا) أن عموم الناس كثيراً ما يتساءلون، بشكل افتراضي جدلي، إذا كنا نحن البشر قد تطورنا من كائنات أبسط، فلماذا لازالت أبسط الكائنات (كالفيروسات والبكتريا والفطريات والأوليات الحيوانية) تشاطرنا حاضرنا ولم تتطور مثلنا؟ وقال: هذا تساؤل قد يبدو وجيهًا ومكرراً ليس فقط على ألسنة البسطاء ممن لم ينالوا حظهم من العلم والمعرفة بل سمعناه يُردد على منابر إعلامية وقرأناه فى كتب ومقالات كُتبت بأقلام من نُعتوا بأنهم مفكرون وعلماء.
  (springernature)
وعلى الرغم من ذلك فإن العلم يقول بأن هذا سؤال مغلوط! وسنوضح. فمن يطرح السؤال افترض، مخطئاً، أن أبسط الكائنات، أوالكائنات الدقيقة أقل تطوراً. معتقداً أن الصفات التطورية هي صفات عامة ومطلقة، ثم تساءل عن السبب، والصحيح أن الصفات التطورية هي صفات خاصة ونسبية  للظروف البيئية والمحتوى الجينى لكل نوع من الكائنات، فإذا اعتبرنا أن القدرة على الطيران أواستخلاص الأكسجين للتنفس من الماء لا من الهواء صفات تطورية مطلقة فإن الطيور والأسماك أكثر منا تطوراً. ولكن ماذا عن النعامة (طائر لا يطير) وطور أبو ذنيبة الذي فقد خياشيمة وقفز إلى اليابسة متحولاً لضفدع يتنفس أكسجين الهواء. هذا مثال يوضح لنا أن كل نوع من الكئنات فى ممالك الحياة السبعة (البكتيريا والأركيا "البكتريا القديمة" والأوليات الحيوانية والكروميستا " الطلائعيات الصبغية" والنباتات والفطريات والحيوانات) يتبع مساراً تطورياً خاص به، وأن أبسط الكائنات المعاصرة لنا هي أيضاً كائنات متطورة.
 فالبكتريا، وهي كائنات توصف بيولوجياً ببدائية النواة (Prokaryotes)  لعدم وجود غشاء يفصل مادتها الوراثية عن باقى عضيات الخلية البكتيرية كما هو الحال فى حقيقيات النواة (Eukaryotes)، استطاعت عبر مئات الملايين من السنين أن تطور جهازاً مناعياً للوقاية من الفيروسات، يختلف هذا الجهاز كلياً فى آليات عمله عن جهاز المناعة عند الفقاريات من أسماك وبرمائيات وزواحف وطيور وثدييات. فى الفقاريات تكوّن الخلايا المناعية أجساماً مضاده لاستهداف ومحاربة الأجسام الغريبة والغزاة من بكتريا وفيروسات وطفيليات للقضاء عليها. أما البكتريا فقد طورت سُبلاً أخرى عن طريق تكوين سجل جيني من قطع صغيرة من الشريط الوراثي لكل الفيروسات التي أصابت البكتريا خلال تاريخها التطوري، وفي حال تجدد الإصابة من ذات الفيروس أو من فيروسات قريبة له تحمل في شريطها الوراثي هذه القطع الجينية الصغيرة تقوم إنزيمات البكتريا المصابة بالتعرف عليه وتقطيعه، فلا يتمكن الفيروس من استكمال دورة حياته وينتهي.
وعند اكتشاف هذه الآلية بالتعاون بين الفرنسية الأصل الدكتورة إيمانويلا كاربينتر (Emmanuelle Charpentier) من جامعة أُميو السويدية والأمريكية الدكتورة جينيفر دودنا (Jennifer Doudna) من جامعة كاليفورنيا، اللتان استطاعتا قيادة فريق بحثى توصل إلى ابتكار تقنية جزيئية تمكن العلماء من التغيير، إضافةً أو حذفاً أو تعديلاً، في المادة الوراثية (الجينوم) في خلايا الكائنات الحية بما فيها الإنسان، وأعطيت الاسم العلمي (Clustered regularly interspaced short palindromic repeat) وللاختصار كرسبر (CRISPR).
 (selectscience)
تعتبر نتائج هذه الدراسة المنشورة عام 2012 في مجلة (Science) علامة فارقة في مجال البيولوجيا الجزيئية وعلم الوراثة، حيث إن تطبيقات تقنية كرسبر ستتيح إمكانية علاج الأمراض الوراثية التي كان من المستحيل علاجها قبل اكتشاف تقنية كرسبر عن طريق تعديل الأخطاء الجينية (الطفرات) في أجنة البشر لتولد أطفالا سليمة جينياً. وهذا ليس خيالاً علميًا، فقد تمكن فريق بحثي من عدة جامعات بالولايات المتحدة بقيادة الدكتور جيمس كولن (James J. Collins) الأستاذ بجامعة هارفرد عام 2017 من تسجيل أول براءة اختراع لتطبيق تقنية "كرسبر" في الاختبارات التشخيصية على الخلايا البشرية.
 نخلص مما سبق أن البكتريا قد علمت البشر، فلا ينبغى لنا وصفها بالكائن البدائي لأنها تطورت مثلنا ولكن بطريقتها الخاصة.  
سنخص بالحديث هنا العالم اللامرئي من البكتريا. فعلى الرغم من كونه خارج حدود إبصارنا، (أكبر البكتريات حجماً لا تزيد أبعاده عن اثنين ميكرومتر، أي اثنان من المليون من المتر وللمفارقة فإن أكبر الفيروسات حجماً لا تزيد أبعاده عن أربعمئة نانومتر، أي أربعمئة من الألف مليون من المتر) فإن آثار هذا العالم جليّة فى مأكلنا ومشربنا وصحتنا ومرضنا، بل وفي الحالة المزاجية والنفسية لكل فرد منا. هذه الكائنات الدقيقة ليست بمنأى عنّا، فالبكتريا والفيروسات توجد في الهواء الذي نتنفسه وعلى كل سطح نلمسة.
فى دراسة نشرت عام 2009 في مجلة العلم (Science) توصلت الدكتورة جوليا سيجر (Julia A. Segre) مع فريقها البحثي في المعهد القومى الأمريكي لأبحاث الجينوم البشري بالولايات المتحدة، إلى أن أنواع البكتريا التي تتخذ من بشرة الإنسان موطناً دائما لها يتجاوز الألف نوع، تنتمي لأكثر من مئتي جنس بمتوسط ألف بكتريا لكل سنتيمتر مربع، تعيش جميعها على سطح الجلد وفي الجزء العلوي من بصيلات الشعر. أغلب هذه الأنواع لا تسبب أي ضرر فهي توصف بالبكتريا المتعايشة (Commensal bacteria) بل إن الكثير منها يعتبر ضرورياً لتنشيط الجهاز المناعي وللحماية من البكتريا الغريبة الممرضة والطفيليات.
أما عن جوف الإنسان, تحديداً جهازه الهضمي، فإن البكتريا في هذا المكان لاتقدر بعدد. هذا هو عنوان العرض البحثي (Review article, Counting the Countless) المنشور عام 2018 في مجلة الحديث في مجال الميكروبيولوجي (Frontiers in Microbiology) حيث استعرض كتّاب هذا العرض البحثي بقيادة الدكتور كوجي نوموتو (Koji Nomoto) رئيس الباحثين بمعهد ياكولت باليابان، أنه بتطبيق أحدث تقنيات الكشف عن البكتريا والمعروفة في الوسط العلمي ب (FISH, RT-PCR) للكشف عن الحامض النووي الريبوزي الريبوسومي (rRNA) للأنواع المختلفة من البكتيريا، قد توصل الباحثون إلى أن أعداد الخلايا البكتيرية قد تصل مئة مليون خلية بكتيرية في كل جرام من محتوى الأمعاء عند الإنسان في متوسط المرحلة العمرية ما بين الطفولة والثمانين عاما.
وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة بلوس بيولوجي (PLOS-Biology) عام 2016 زادت هذه التقديرات إلى مئة ألف مليون خلية بكتيرية في كل جرام من محتوى الأمعاء.
(sciencemag)
الخلاصة، كل ما نعاصره من كائنات، شركاء لنا في الحياة، حظوا بالزمن اللازم للتطور والحفاظ على السلالة وابتكار آليات تمكنهم من التأقلم مع المتغيرات البيئية والتعايش مع الغير ضمن علاقات متشعبة. وعلى الإنسان، كجزء من هذه المنظومة، أن يبحث ويعلم، فإن العلم ووعي المجتمعات هو الحل.
((انتهى))
ح ع/ ح ص
 
   
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي